لماذا نسأل لماذا؟
لماذا نسأل لماذا؟
أسماء ربيع المنهالي
Thursday, 22-Oct-2026 07:35

كم مرّة بدأ حديث بيننا بسؤال «لماذا؟»؟ لماذا قال هذا؟ ولماذا تصرَّف ذاك بهذه الطريقة؟ هل نسي أم تعمّد؟ هل كان يقصد أم لم يقصد؟ أسئلة نطرحها أحياناً بدافع الفضول، وأحياناً بحثاً عن تفسير، وقد نمضي وقتاً طويلاً في محاولة الإجابة عنها، من دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا: ماذا ستغيَّر معرفتنا بالإجابة؟

من هنا، بدأت أتوقف عن طرح سؤال «لماذا؟» في كثير من المواقف، ليس لأنّ الإجابات لا تهمني، بل لأنني أدركت أنّ بعضها لا يستحق كل ذلك البحث والتفكير.

ما جدوى البحث المستمر في تصرُّفات الآخرين ونواياهم؟

 

ومع الوقت، بدأت أتساءل عن جدوى هذا البحث المستمر في تصرُّفات الآخرين ونواياهم، وعن تلك الرغبة الخفية التي تدفعنا أحياناً إلى تفسير سلوكهم، أو تبريره، أو تقمُّص دور المصلح، وكأننا حراس على وعي الكون وتفاصيله.

 

لسنا ملائكة، ولا نملك دائماً القدرة على فهم أنفسنا، فكيف نعتقد أننا قادرون على فهم الآخرين في كل مرّة؟ وليس سؤال «لماذا؟» خاطئاً في ذاته، فقد يقودنا إلى الفهم والتعاطف، لكنه يصبح مرهقاً حين يتحوَّل إلى بحث لا ينتهي عن إجابات قد لا نجدها، أو لا تغيِّر شيئاً حتى إن وجدناها.

 

أحياناً نسمع جملة في مجلس، أو نشهد تصرُّفاً في موقف عابر، فنبدأ بالتساؤل: لماذا قال ذلك؟ وما الذي دفعه إلى هذا التصرُّف؟ وما الذي كان يقصده؟ وقد نمضي وقتاً في تحليل ما حدث، بينما يغيب عنا سؤال ربما كان أولى بالاهتمام: لماذا استهجنت هذه الجملة تحديداً؟ ولماذا أثارت هذه الجملة في داخلي كل هذه التساؤلات؟ وهل كان استهجاني لها نابعاً من مضمونها، أم من تصوُّري المسبق عن قائلها؟

 

ولست أرفض سؤال «لماذا؟»، بل أتساءل لماذا يكون في كثير من الأحيان السؤال الأول الذي نبدأ به أحاديثنا، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالآخرين وعلاقاتنا بهم. لماذا نسارع إلى السؤال عن الأسباب، قبل أن نسأل: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ومتى؟ ومَن المعني بالأمر؟ والأهم، هل يعنينا أن نعرف؟

 

أداة للفهم والتحليل

أمّا سؤال «لماذا؟» حين يكون في سياق البحث الأكاديمي أو بناء فكرة أو وجهة نظر أو ممارسة التفكير النقدي، فإنّه يصبح أداة للفهم والتحليل، لا مجرّد بحث عن تفسير. وهنا أراه أشبه بعلامة الترقيم، تكتسب قيمتها من موضعها في النص؛ فلكل سؤال موضعه المحمود، ولكل إجابة سياقها الذي يمنحها معناها.

 

ولماذا نبحث عن تفسير لتصرُّفات شخص لدى شخص آخر، بينما يمكننا أن نوجّه السؤال إلى صاحب الشأن نفسه؟ أليس الحوار المباشر أجدى من تداول الاحتمالات والتفسيرات؟ وكم من حديث دار حول شخص غائب، بينما كان الأجدر أن يدور معه؟ فالسؤال في حدّ ذاته ليس المشكلة، وإنما لِمَن نوجِّهه، وما الذي نبحث عنه من خلاله.

 

هنا يتغيّر اتجاه البحث، من محاولة فهم الآخر إلى محاولة فهم الذات. فلماذا نبحث عن إجابات تخص الآخرين، بينما لا نلتفت إلى الأسئلة التي تخصّنا؟ ليس كل ما يُقال يعنينا، ولا كل تصرُّف يستدعي منا موقفاً، وربما لا نكون مسؤولين عن تصحيح كل ما نراه خاطئاً. ولكل إنسان اختياراته ومسؤولياته، كما أنّ لكل منا الحق في أن يختار ما يمنحه اهتمامه، وما يتركه يمضي من دون أن يشغل به نفسه.

 

وقد أبدو للبعض باردة في تعاملي مع بعض المواقف، لكنني أرى نفسي واقعية. فبدلاً من الانشغال بتفسير ما يقوله الآخرون أو البحث في نواياهم، تعلّمت أن أنظر إلى أفعالهم، فهي أبلغ من الأقوال، وأقدر على توضيح المواقف. فالكلمات قد تعبّر عن نوايا صادقة، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تجد طريقها إلى الفعل. ومع ذلك، لا يمكن فصل الأفعال عن ظروفها، فهناك فرق بين مَن يفعل عن قناعة، ومَن يفعل تحت ضغط أو إكراه.

 

لنتأمّل حدود مسؤوليتنا تجاه الآخرين

ولا يعني ذلك أنّ نتوقف عن فهم الآخرين أو التعاطف معهم، بل أن نتأمّل حدود مسؤوليتنا تجاههم، ونتساءل إن كان كل تصرُّف يستحق التحليل، وكل كلمة تستدعي الانشغال، وكل اختلاف يستوجب أن نخوض من أجله معركة.

 

ربما لا تكمن المسألة في التوقف عن سؤال «لماذا؟»، بل في معرفة متى نطرحه، وعلى مَن نوجّهه، وما الذي نرجو الوصول إليه من خلاله.

 

وقد وجدت نفسي في مواقف أدركت فيها أنّ بعض الأسئلة لا تقرّبنا من الحقيقة بقدر ما تكشف عن توقعات نحملها تجاه الآخرين. وربما لا نبحث دائماً عن إجابة بقدر ما نبحث عمّا يؤكّد تصوُّراتنا، أو يبرّر شعوراً لم نفهم أسبابه بعد.

وقبل أن تسألني: لماذا؟ اسأل نفسك أولاً: لماذا تسألني أنا، ولا تسأل نفسك؟

theme::common.loader_icon