أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال لقائه في أثينا باليونان في نيسان الماضي، تحذيراً لافتاً، دعا فيه الأوروبيّين إلى الحذر من سياسات ثلاثة من أبرز زعماء العالم: دونالد ترامب، فلاديمير بوتين، وشي جين بينغ. ويعكس هذا التحذير مخاوف متزايدة من تحوُّلات قد تعيد رسم قواعد الاقتصاد العالمي والأمن الدولي، وتفرض على أوروبا مراجعة تحالفاتها واستراتيجياتها قبل فوات الأوان.
وحذّر ماكرون، من أنّ القارة الأوروبية تمرّ بمرحلة استثنائية، في ظل تعارض مصالحها مع توجّهات القوى الكبرى، وتراجع الضمانات التي وفّرتها التحالفات التقليدية. وقد كشفت التطوُّرات الأخيرة عن هشاشة التوازنات التي اعتمدت عليها أوروبا طويلاً، سواء في تجارتها مع الولايات المتحدة، في أمن الطاقة، أو في سلاسل التوريد والتصنيع المرتبطة بالصين.
وتتجلّى هذه التحوُّلات في محاولات ترامب احتواء التوتر مع الصين، خلال لقائه شي جين بينغ في أواخر أيلول الماضي، بالتزامن مع تقديم تطمينات بشأن استمرار تدفق النفط وتخفيف بعض القيود التجارية. كما أثارت المقترحات الأميركية المتعلقة بإنهاء الحرب في أوكرانيا، والضغوط على كييف لقبول تسوية، مخاوف أوروبية من التوصُّل إلى اتفاقات تمسّ المصالح الأوكرانية والأوروبية، من دون مشاركة كافية من العواصم الأوروبية.
ترامب والضغط على الحلفاء الأوروبيّين
تثير سياسات ترامب مخاوف أوروبية، بسبب توجّهاته الحمائية وتهديداته بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأوروبية، فضلاً عن تشكيكه المتكرّر في جدوى حلف شمال الأطلسي، وربطه الالتزامات الدفاعية الأميركية بمستوى الإنفاق العسكري الأوروبي. ولا يقتصر القلق على احتمال تراجع الدعم الأميركي، بل يشمل استخدام العلاقات الاقتصادية والأمنية أداةً للضغط السياسي.
ويضع هذا النهج الأوروبيّين أمام ضرورة تعزيز قدراتهم الدفاعية وتقليص اعتمادهم على واشنطن، مع الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي. كما تثير الخلافات بشأن المواقف الأوروبية من الحرب على إيران، تساؤلات إضافية حول مستقبل التنسيق الأمني بين الطرفَين.
بوتين واستمرار الضغط الروسي
أمّا روسيا، بقيادة بوتين، فتواصل فرض تحدّيات استراتيجية على أوروبا من خلال الحرب في أوكرانيا وتداعياتها الأمنية والاقتصادية. فقد دفعت الحرب الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي وإعادة النظر في سياسات الطاقة، وسط ارتفاع التكاليف وتزايد المخاوف من استخدام الإمدادات وسيلةً للضغط السياسي.
وبذلك، تواجه أوروبا تحدّياً مزدوجاً يتمثل في حماية أمنها من التهديدات الروسية، وتحمُّل الأعباء الاقتصادية والعسكرية المترتبة على استمرار الحرب، في وقت تتصاعد فيه الضغوط على جبهات أخرى.
الصين والصدمة الصناعية الثانية
تمثل الصين، بقيادة شي، تحدّياً آخر يتمثل في تصاعد المنافسة الصناعية والتكنولوجية. فبكين توسّع حضورها العالمي، مستفيدةً من قدراتها الإنتاجية والتنافسية في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجدّدة والصناعات المتقدّمة.
وتخشى أوروبا أن تؤدّي هذه المنافسة إلى إغلاق مصانع وفقدان وظائف وحصص سوقية، وتراجع قدرتها على المحافظة على موقعها الصناعي. وتُعرف هذه المخاوف بـ»الصدمة الصينية الثانية»، في إشارة إلى الضغوط المتزايدة التي تواجهها الصناعات الأوروبية نتيجة توسع الصادرات الصينية.
وهكذا، تجد أوروبا نفسها أمام معادلة صعبة: الحفاظ على علاقاتها التجارية مع الصين، مع حماية صناعاتها الاستراتيجية وتقليص التبعيات الاقتصادية التي قد تتحوَّل إلى نقاط ضعف أمنية.
الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي: ما الحل؟
في مواجهة هذه التحدّيات، يدعو ماكرون إلى تعزيز الاعتماد الأوروبي على الذات، تطوير القدرات الدفاعية والاقتصادية، وتقوية موقع الاتحاد الأوروبي دولياً. ويتطلّب ذلك بناء قاعدة صناعية ودفاعية أكثر تكاملاً، وتعزيز التعاون في مجالات التسليح والتكنولوجيا والأمن السيبراني، وتقوية الركيزة الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي.
كما يستدعي تحسين القدرة التنافسية للشركات الأوروبية، وتوسيع الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وتقليل الاعتماد المفرط على قوّة دولية واحدة. غير أنّ تحقيق هذا الاستقلال لن يكون سهلاً، في ظل اختلاف أولويات الدول الأوروبية وتباين مواقفها من الولايات المتحدة والصين وروسيا، فضلاً عن الحاجة إلى استثمارات ضخمة وإرادة سياسية مشتركة.
هل تستطيع أوروبا الاعتماد على نفسها قبل فوات الأوان؟
تجد أوروبا نفسها أمام لحظة مفصلية قد تحدّد موقعها في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة. فبين ضغوط ترامب، والتحدّيات الروسية، والمنافسة الصينية، لم يعُد الاستقلال الاستراتيجي مجرّد شعار سياسي، بل ضرورة لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية للقارة.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة الأوروبيّين على توحيد مواقفهم، وتحويل إمكاناتهم الاقتصادية والتكنولوجية إلى قوّة استراتيجية متماسكة، من دون التخلّي عن التحالفات التي لا تزال تشكّل جزءاً أساسياً من أمنهم. فإمّا أن تنجح أوروبا في تعزيز استقلالها وقدرتها على اتخاذ القرار، وإمّا أن تصبح أكثر عرضة لتقلّبات سياسات القوى الكبرى. وهنا تكمن أهمية التحذير الفرنسي: إنّ الوقت المتاح أمام أوروبا لإعادة ترتيب أولوياتها قد لا يبقى مفتوحاً إلى ما لا نهاية.