قد يطول بقاء اللبنانيّين تحت الصدمة، وخصوصاً عند التعمّق في حصيلة الحركة الديبلوماسية التي يقودها لبنان، وتلك التي شهدتها ساحته الداخلية. فلا تقف الأمور عند محطة معينة مثل «اللقاء العسكري الثلاثي» في تامبا، وما يمكن أن ينتهي إليه. ذلك أنّ التوقعات المتداولة سراً وعلناً، لم تفضِ إلى نتيجة إيجابية. وهو أمر مبرّر في ظل الاقتناع بأنّها ما زالت غامضة، انتظاراً لمعرفة الجهات التي تستفيد من حرق المراحل. وهذه عيّنة منها.
أياً كانت النتائج التي ستفضي إليها لقاءات «تامبا» في مقر القيادة المركزية الأميركية، وما سبقها وتخلّلها من أفكار طُرحت على الطاولة من دون التوصل إلى نقاط مشتركة، فإنّ من الواضح أنّ طروحات الجانبين الإسرائيلي والأميركي، قد بُنيت على خلفية انشغالهما بتحضيرات ربع الساعة الأخير، التي تسبق دخولهما انتخابات الكنيست بعد 5 أيام، والانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية في أول ثلاثاء من الشهر المقبل، وقد اصطدمت بالطرح اللبناني المتمسّك بثوابته الخمس، التي يسعى خلفها، تجنّباً للأسوأ المنتظر من المكائد والأفخاخ التي يتعرض لها الوفد اللبناني المفاوض، ومَن كلّفه المهمّة من الداخل والخارج على حدّ سواء.
لبنان بين كمّاشتَين
وتزامناً مع هذه الوقائع التي لا يرقى إليها أي شك، عبّرت مراجع ديبلوماسية وسياسية عن اعتقادها، بأنّ الموقف اللبناني واقع بين كماشتي الداخل والخارج، اللتين تضغطان في اتجاه تعطيل أي من الخطوات الضامنة لاستعادة الدولة سلطتها على أراضيها بقواها الذاتية. ولترجمة هذه المعادلة، ترى المراجع عينها، انّه وفي الوقت الذي يواجه الوفد اللبناني مجموعة الضغوط الخارجية، مصحوبة بالتشكيك بقدرات الجيش والقوى الأمنية الأخرى، ما زال بعض الداخل مصرّاً بطريقة مباشرة أو بوسائل ملتوية أخرى، على العمل عن سابق تصور وتصميم، على إعاقة تنفيذ أي خطوة مطلوبة من لبنان، مقدّماً لهم، ومعهم المجتمعات العربية والدولية، الهدايا على أطباق من ذهب. وهو ماضٍ في خياراته الرافضة أي اقتراح او مبادرة تؤدي إلى تجنيب البلاد مزيداً من الأهوال. وهو أمر محتوم ومتوقع، في ظلّ إصرار قوات الاحتلال على المضي في أعمال التفجير والتجريف في الجنوب، حتى التخلص من السلاح غير الشرعي، مع التهديد بإمكان توسيع المناطق المحتلة، ليزداد عدد النازحين بمئات الآلاف، ويرتفع منسوب التوتر بينهم وبعض المجتمعات المضيفة، على خلفية بعض التصرفات التي ترفع من نسبة الشكوك بما يُضمّر للبنان، ممّا لا يريده أحد حتى اليوم، إلى حدّ التداول بمشاريع تزرع الرعب حول مستقبل البلاد وتركيبتها الديموغرافية الهشة.
خطوات لا بد منها
على هذه الخلفيات، نصحت هذه المراجع، بالتعاطي مع ما هو مطروح بكثير من الشفافية، ومصارحة اللبنانيين بما يجري البحث فيه والظروف المحيطة بكل خطوة ممكنة، لوضع الأمور في نصابها وكشف النيات المبيتة للبعض على ما هي عليه فعلاً. فلا ينساق اللبنانيون خلف المواقف المعلنة التي لا تتلاقى مع ما هو مضمر، سواء بنية صادقة وعفوية، او بقدرة قادر على التعمية على الحقائق، وإخفاء ما يمكن أن تقود إليه من نكبات جديدة. وهو أمر يترجمه بعض الطروحات التي تخفي سعي البعض إلى حرق المراحل في اتجاه خطوات لا بدّ من أن تأتي في توقيتها المناسب، وفي الظروف الطبيعية، إن تطوّرت المفاوضات في اتجاه إنهاء حال الحرب وبداية مسيرة الإنماء والإعمار وتوفير الدعم الخارجي لها.
من المبكر إلغاء قانون المقاطعة
وعند الدخول في التفاصيل، نصحت هذه المراجع من بيدهم القدرة على إدارة شؤون البلاد والعباد، بضرورة إجراء التقييم الدقيق لما هو مطروح من أفكار، وما يمكن أن تقود إليه بطريقة تحول دون حرق المراحل، على قاعدة «إنّ طالب الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». وهي معادلة تعني اللبنانيين في حاضرهم ومستقبلهم. وهي تستدعي التحذير من بعض «مشاريع المكائد والأفخاخ» التي لا تصبّ في مصلحة اللبنانيين جميعاً. فالحديث عن تشكيل غرفة عمليات لبنانية - إسرائيلية مشتركة يجري التأسيس لها في «تامبا»، أمر ما زال مرفوضاً على كل المستويات السياسية والحكومية قبل العسكرية، ليس لأنّها تلغي أدوار الرعاة الدوليّين والأمميّين وما يوفرونه من تغطية يحتاجها لبنان، بل لأنّها مستحيلة، قبل أن تستعيد المؤسسات المختلفة أدوارها كاملة، وإنّ مثل هذا الطرح ما زال مبكراً البحث فيه.
وعند الإشارة إلى مزيد من كثير ممّا هو مطروح، فإنّ الحديث، على سبيل المثال لا الحصر، عن «التطبيع» وإلغاء القوانين المعمول بها منذ العام 1955، والتي تفرض القطيعة مع إسرائيل، أمر بعيد كل البعد عمّا تريده السلطة التي تدير المفاوضات، قبل بلوغها النتائج المرجوة وتهيئة الظروف لمثل هذه القرارات الكبيرة.
وتختم هذه المراجع، أنّ أخطر ما استنتجته من كل ما سبق، بأنّ كل هذه الطروحات المتداولة لا تخدم سوى العدو الإسرائيلي علناً. لكنها في الوقت عينه تمدّ المعترضين على جمع السلاح والتخلّي عنه للمضي في رهاناتهم الانتحارية، على حساب البلد بكل أبنائه ومؤسساته وسلطاتهز فلا تقف التداعيات الخطيرة على بيئة محدّدة، بات استخدامها شمّاعة تُبقي الدولة مطوّقة بين نارَين داخلية وخارجية، قد تقضي إلى أن يطبق السقف على رؤوس جميع اللبنانيّين.