لم تعُد المنافسة في الطاقة الشمسية تقتصر على ابتكار مواد تمتص ضوء الشمس بكفاءة أعلى، بل باتت تشمل تسريع اكتشاف هذه المواد، وتحسين طرق تصنيعها، والتنبّؤ بأدائها على المدى الطويل. وفي هذا السياق، يتقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة واعدة لتطوير جيل جديد من الخلايا الشمسية، ولا سيما الخلايا المصنوعة من مواد «البيروفسكايت»، التي تستقطب اهتماماً متزايداً بسبب خصائصها الإلكترونية وإمكانات تصنيعها بكلفة منخفضة نسبياً.
وفي مراجعة علمية نُشرت في الأول من تشرين الأول 2026 في دورية «نيتشر ريفيوز إلكتريكل إنجينيرينغ»، بحث فريق من جامعة «ساوث إيست» الصينية، بالتعاون مع باحثين من جامعة نوتردام الأميركية والمعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان، دور الذكاء الاصطناعي في تطوير هذه الخلايا، وحدَّد العقبات التي تحول دون انتقال تطبيقاته من تحسينات محدودة داخل المختبر إلى منظومة بحث وتصنيع متكاملة.
وتخلص المراجعة، إلى أنّ التحدّي لا يتمثل في قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات فحسب، بل في قدرتها على الربط بين مراحل تطوير الخلية، من اختيار المواد وتركيبها إلى تصنيعها واختبار استقرارها.
البيروفسكايت بديل واعد للخلايا التقليدية
تتميّز خلايا البيروفسكايت بإمكان ضبط خصائصها الإلكترونية والبصرية، عبر تعديل تركيبها الكيميائي، ما يتيح تصميم مواد تتلاءم مع تطبيقات مختلفة في تحويل الطاقة الشمسية إلى كهرباء.
كما تتيح بعض تقنيات تصنيعها إنتاج طبقات رقيقة، الأمر الذي يفتح المجال أمام تطوير ألواح أخف وزناً، ودمج الخلايا الشمسية في أسطح ومنتجات لا تناسبها بالضرورة الألواح التقليدية.
وتشمل الاستخدامات المحتملة الخلايا المركّبة التي تجمع البيروفسكايت والسيليكون، بهدف الاستفادة من قدرة كل مادة على امتصاص أجزاء مختلفة من الطيف الشمسي. لكنّ هذه الإمكانات لا تعني أنّ التقنية تجاوزت جميع العقبات التي تواجهها قبل الانتشار التجاري الواسع.
فاستقرار المواد في ظروف التشغيل الفعلية، وتأثير الرطوبة والحرارة والضوء، وإمكان تكرار نتائج التصنيع على نطاق صناعي، لا تزال مسائل أساسية في تقييم جدواها.
كيف يغيّر الـAI البحث؟
تقليدياً، يتطلّب تطوير مادة جديدة إجراء سلسلة من التجارب، لتغيير نسب المكوّنات الكيميائية وظروف التصنيع، ثم قياس النتائج ومقارنتها. وقد تستغرق هذه العملية وقتاً طويلاً، خصوصاً عندما تتفاعل متغيّرات متعدِّدة بطريقة معقّدة.
هنا يمكن لخوارزميات التعلّم الآلي تحليل مجموعات كبيرة من البيانات، واكتشاف علاقات بين التركيب الكيميائي وخصائص المادة، والمساعدة في اختيار التجارب الأكثر جدوى. وبدلاً من اختبار جميع الاحتمالات بصورة عشوائية، يستطيع الباحثون توجيه جهودهم نحو التركيبات التي يرجّح أن تحقق النتائج المطلوبة.
ولا يقتصر ذلك على اكتشاف المواد. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحسين سماكة الطبقات، درجات الحرارة، أزمنة المعالجة، وترتيب مكوّنات الخلية، فضلاً عن تحليل العيوب التي تظهر أثناء التصنيع. ويمكن كذلك استخدامه في دراسة تراجع الأداء مع مرور الوقت، وتحديد العوامل التي تسرّع تلف الخلايا، بما يدعم تطوير مواد أكثر استقراراً.
لكن هذه التطبيقات لا تعني أنّ الذكاء الاصطناعي بات قادراً على تصميم خلية مثالية بصورة مستقلة؛ إذ تظل النتائج مرتبطة بجودة البيانات والتجارب التي تستند إليها النماذج.
4 عقبات أمام التطوير المتكامل
أولاً، تشتُّت البيانات بين مختبرات وقواعد معلومات تستخدم طرقاً مختلفة للتسجيل والقياس، ما يصعّب دمج النتائج ومقارنتها بصورة موثوقة.
ثانياً، ضعف قدرة بعض النماذج على تعميم ما تعلّمته. فقد ينجح نموذج في التنبّؤ بأداء تركيبة معيّنة ضمن ظروف مختبرية محدَّدة، لكنّه لا يحقق الدقة نفسها عند تغيير المواد أو طريقة التصنيع أو بنية الخلية.
ثالثاً، صعوبة تفسير بعض التوقعات. فمعرفة أنّ خوارزمية تتوقع أداءً مرتفعاً لا تكفي دائماً لفهم الآلية الفيزيائية أو الكيميائية التي تقف وراء هذا التوقع، وهو ما يحدّ من قدرة الباحثين على استخدام النتائج لتطوير مواد جديدة.
أمّا المشكلة الرابعة، فتتعلّق بالأهداف التي تُدرَّب النماذج على تحسينها. فقد تركّز خوارزمية على رفع الكفاءة الأولية للخلية، من دون أن تأخذ في الحسبان كلفة التصنيع أو الاستقرار أو سهولة التوسع الصناعي.
من التنبّؤ إلى المختبرات ذاتية التشغيل
يقترح الباحثون الانتقال من استخدام أدوات منفصلة لكل مرحلة إلى منظومة متكاملة، ينتقل فيها ما يُكتشَف في مرحلة إلى المراحل الأخرى، ويُحدّث باستمرار استناداً إلى نتائج التجارب الجديدة.
وفي هذا النموذج، يستطيع الذكاء الاصطناعي اقتراح تركيبة جديدة، ثم توجيه تجربة آلية لاختبارها، وتحليل النتائج، واستخدامها لتحسين التوقعات اللاحقة. وتُعرف هذه المقاربة باسم «التطوير المغلق الحلقة»، لأنّها تربط التنبّؤ بالتجربة والقياس والتعلُّم المتكرّر.